تجارب تشكيلية معاصرة

المقاله تحت باب  مقالات فنيه
في 
03/07/2008 06:00 AM
GMT



إن تشكل عصرنا بهذه الطريقة الاتصالاتية المبهرة عبر تكنولوجيا الحاسوب, فليس من المستغرب أن تغزو وسائطه الرقمية ووسائله الالكترونية مخيال بعض من تشكيليينا العراقيين المهاجرين(أو المقيمين, بعد أن أصبحت الهجرة أقامة في أوربا وما يوازيها من دول العالم).وان كانت هذه الواسطة هي الأقرب إلى كشف واقع حالنا الكارثي عبر أزمنته المتعاقبة, فإنها أيضا الأكثر فاعلية في مجال إيصال بعض من تفاصيل هذا الواقع المأساوي الفردي والجمعي. ومثلما تسللت الثقافة الحداثية الأدبية والتشكيلية بتؤدة لتعم منطقتنا الجغرافية ولو على شكل دفعات أو موجات لا تخلو من مد وجزر. فان اختراق التكنولاجيا الاتصالاتية لا يطلب استئذانا من احد وحتى تسللا من تحت ألف تابو. وان استبدل هؤلاء التشكيليون أدوات التشكيل التقليدية(الأكثر ذاتية), فان فعلتهم هذه جاءت استجابة للتغييرات الحادثة أو التي حدثت منذ نهاية الستينات وبداية السبعينات(ولو بقدر ضئيل) كرد فعل لشموليات الحداثة التي شاخت وضيق مساحة أدواتها ووسائطها التنفيذية الوجدانية والملتصقة بذات الفنان والممهورة بختمه. لقد تم رفع هذه الأختام لصالح منطقة أدائية وممارساتية أوسع وأكثر استجابة لتحولات العصر, فاختلط الأداء وتنوعت المواد الأولية وما يشابهها في العمل التشكيلي الواحد وصولا إلى التقنيات الرقمية وتكنولوجياتها المتنامية وحتى تخوم الواقع(تفكيكه وإعادة صياغته) وما بعده وما خلفه ولحد إحاطة بعض تفاصيله بنا واحتوائنا(1). أحاول أن استعرض هنا بعض من السمات التشكيلية لبعض من تشكيليينا العراقيين المقيمين في الغرب ومن خلال مديات استيعابهم للتقنية الرقمية الاتصالاتية والتي وظفوها بما يخدم توجههم السلوكي الثقافي والسياسي والاجتماعي: نديم محسن والترحال بصيغة صدى السلوك المسترجع:
 
 
لقد شكلت رحلة خدمته العسكرية في سنوات النار للحرب العراقية الإيرانية المفتاح لحل الغاز هذا التشكيلي الذي لم يزل رحالا وربما لقلق أودعته إياه تلك السنوات الراحلة أو العابثة من عمره. وان كان جيل الثمانينات التشكيلي العراقي مرتحلا بفضل تلك الفعلة الكارثية. فقد استطاع بعض منهم استقراء محنهم بوسائل عديدة وحسب ما وفرته لهم شحة الوسائط التنفيذية معظم الأحيان. لكن تبقى هجرة نديم مكسبا مهما لخلاصه من تلك الضائقة. وان كانت الفنتازيا تشكل خلاصا أو فكاكا من تلك الأزمنة, فقد ظلت ملازمة لنتاجه الصوري(كإشارات, كما يحلو له أن يسميها) سواء كانت حفرا طباعيا أو رسما توضيحيا أو نصا مكتوبا(مذكرات الكترونية) أو فلما فيدويا أو تصميما ما أو صورة فوتوغرافية محورة. إشارات استلها من جسد حياته, أو يومياته الذهنية. ولم تكن مواد تنفيذ إعماله إلا من هذا الخليط الحياتي المعاش(تذكاراته الشخصية, الأهل, بغداد, عالم الغد المفقود, والحاضر الملغز). لقد تشكلت مهاراته التنفيذية والذهنية عبر قنوات معرفية أدائية معاصرة عصبها تقنيات الصورة الرقمية وتكنولوجيا الحاسوب. إضافة لاستفادته من التقنية الطباعية والكرافيكية وهو البعيد أصلا عن تقليدية الرسوم الزيتية ومنطقة استحواذها(لقد درس الحفر والطباعة, والنحت والتصميم) وأنتج أعمالا بمؤثرات خبرات تنوع دراساته. بالتضامن مع التشكيليين عمار سلمان وطلال رفعت والناقد فاروق يوسف. أنتج نديم مشروعه الأكتروني (دفتر) ريادة تواصلية معاصرة تستقرئ بعض تجاربهم والتجارب العالمية الأكثر التصاقا بالمشروع المعاصر. كان حلما دام عامين وحقق بعض من افقه وظل عالقا في الفراغ ينتظر من يحاول ولوجه والسير شوطا آخر في مجاله. لم يكن مشروع دفتر تقليديا, بل كان تجاوزيا في حدود نياته المعلنة والمثيرة في آن معا. وكانت تجربة مشاكسة لواقع التشكيل العربي بنوايا الإثارة, الزحزحة. مثلما هو إعلان عن منهجية عمل مجموعته المؤسسة. وان حقق هذا المشروع بصيغته الالكترونية التواصلية هدفه المعلن أو بعض منه فقد كان فتحا تشكيليا جمع الطرفة التشكيلية المعاصرة وبعض من ترجمات كشوفات التشكيل المعاصر التي شكلت انعطافات مهمة في تاريخه . ولو استمر هذا المشروع واتسع افقه لتحول إلى بنك معلوماتي تشكيلي تفتقده الساحة التشكيلية العربية العمومية. وللأسف لم يلتفت لهذا المشروع من قبل المؤسسات التشكيلية العربية. وكان بحاجة لكادر ترجمة النصوص النقدية التشكيلية العالمية المعاصرة إلى العربية(كما هو الحال في معظم الموقع الكترونية التشكيلية العربية, والتي بسبب ذلك فقدت صفتها التواصلية العالمية). معظم أعمال نديم تتشكل من خلال لعبه بمتناقضات مواده البيئية والأرشيفية ومؤثرات مخيلته المسكونة بهاجس الترحال وغالبا ما يعيد صياغات أعماله كطرائف لنقائض أو نقائص أو صدامات. وان تغلب وازع الأرشفة في كل ذلك فان مرده وحسب ما اعتقده راجع إلى ولعه بتثبيت تواريخه الشخصية من خلال كل ما يلمسه. ولع نضج خلال أيام الحرب العبثية التي وجد نفسه فجأة وسط عتمة دائرتها. وان كان يرجئ نقل إثقالها عبر مدارات العالم وقتها ثم فعلها بعد أن اجتاز حدود ظلمة بلاده, لقد اكتشف ولعه الذاتي الترحالي وتماهى والفن الالكتروني البريدي(2), وسبر بعض من هذه الظلمة في نتاجه الصوري.
 
 
 محمد عبد الله والتهجير ألقسري:
تميزت تجربة التشكيلي محمد عبد الله بفضائها التجريبي الخاص ضمن تجارب نحاتي جيل الثمانينات العراقي. وكانت أعماله تتمتع بجمالية إخراجية وحس تصميمي واضح. وكان قدر التهجير والإقصاء من بلد التنوع الأخائي الأثني يترصده(3). وهي محنة أن تجد نفسك مقصيا عن بلد نشأت واكتسبت إنسانيتك ضمن محيطه الاجتماعي وعلامات سكنك. وان تكن المحنة جماعية, وهي كذلك, فإنها ترسبت في القعر من وجدانه ثقلا يستعصى إفراغه إلا عن طريق شحنات أو جرعات تمثلتها أعماله تباعا. من هنا جاء ولعه في النص المكتوب المغاير والموضوع تشكيليا. لم تكن المدونات التشكيلية إلا هوامش أثرية استعيدت في الستينات كأثر مواز للعمل التشكيلي تحت ضغط حيوية الحراك التشكيلي وقتها. بالوقت الذي بدت فيه نصوص أو اجتزاءات عبد الله النصية معادل لبوح صوري صوتي متمم لصياغات أعماله أو مشاريعه التشكيلية الاحتجاجية. اكتسب عبد الله معارفه التشكيلية مثل نديم عبر قنوات تعليمية وإجرائية متعددة( النحت التصميم, الأزياء, طباعة, تخطيط وتلوين) و لا يزال باحثا عن تقنيات مضافة أخرى. عن وساطة علنية أو سرية تساعده على إيصال أو نفاذ مفاهيمه التشكيلية(أعماله) إلى المتلقي الإيجابي, رافضا في نفس الوقت كل سكونية تشكيلية تقليدية. لقد جاءت اختياراته التحصيلية متماشية والاختيارات التكنولوجية المعلوماتية التشكيلية التواصلية. وهو يعرف تماما بأنها اختيارات العصر, فاختلاف الوسائل والوسائط هو السمة الانقلابية لكل عصر, وهكذا هو عصرنا أو يومنا المكوكب هذا وهذه وسائله. وليس بغرابة أن تتشكل تجاربه ضمن وسائل باتت مشاعة, لكن امتيازها يبقى في إخراجها أفكارا تتجاوب وذهنية المبدع ومحاورة اكبر قدر من المتلقين. لقد نبذ أسلوبيته النحتية( في زمنه العراقي) رغم بعض اكتشافاته أو إضافاته, لصالح مشهديه صورية ووسائطية متعددة هي الأكثر قدرة على إمكانية إخراج أفكاره, بما أن العمل التشكيل تحتويه الفكرة الآن. وان لم تغادر محنة الإقصاء معظم نتاج أفكاره. من أكثر وسائل التشكيل المعاصر فاعلية هو صناعته للوهم أو الإيهام. ورغم مشاعية بعض منجزاته. إلا أن ما يصنعه الفنان من وهم(تجاوز حدود أو تخوم المعقول) شكل ثقافة موازية(تسلية, نكتة سوداء, احتجاج, خيال علمي..). والوهم والاحتجاج يلتقيان في أعمال عبد الله إعمالا صادمة, وهو يوظف هذه الصدمة حافزا للإنارة, للإثارة, للتطهير. (اسأله ليرسم لي وجهي, لكنه يصنع نحتا لحائط...) هذا ما يدونه في مستهل إشارته لأحد مشاريعه التشكيلية. ولم يكن الحائط هنا إلا وهما لوجه فقد ملامحه( الإقصاء بأشد حالاته أو صوره). رغم أن أعماله لأتفقد ملامحها مع كل صياغات الوهم التي يحاول إكسابها. وان يكن الوهم لا يتجاوز عنده مبحثا اقصائيا منطلقا من تجربته الشخصية والجمعية في آن واحد. الهروب أو الترحال أو الإقصاء أو كوارث الحرب والدمار, مفردات تشكيلية تتكرر في أعماله أداء شخصيا(3) أو وسائطيا تجميعيا أو صورا فوتوغرافية تغريبية الوسائط. وان يكن الترحال لا يحل مشكلة ولا يرجع الأمور إلى حالها, فان اكتشافاته المتكررة تداريها لا أكثر ولا اقل, وبالوقت ذاته تكسب المبدع إنسانية اشمل. واعتقد أن هذا ما يبحث عنه محمد عبد الله والتي تشكل سيرته العملية والوجدانية مشروعه التشكيلي الذهني والجسدي الأبرز.
 
 
عادل عابدين وماذا تبقى من بغداد: من جيل احدث تكتسب تجربة هذا الفنان فرادتها التعبيرية بوسائطها المعاصرة التي تغطي الحدث وتتجاوزه إلى المخفي أو المستتر خلف الركام ألأعلامي العالمي الغير برئ إطلاقا. لقد اكتشف أدواته التعبيرية وسط مساحة المكتشفات التشكيلية لبداية قرننا هذا. ويدرك جيدا فاعلية إمكانياتها الأدائية وسطوتها الصورية, بما أننا نخضع لسلطة الصورة من خلال الكم الهائل والمخاتل دوما. إلا أن محاولاته جميعها أتت لتصحح لنا هذا الخلل الإعلامي عن منطقة جغرافية هي الأكثر سخونة من مناطق الكرة الأرضية. وبوئرة عنف مجاني هي بغداد الاحتلال وتداعياته. ولقد سبق وان نوهت بأهمية الوسائط التشكيلية المعاصرة(الرقمية والتجميعية والإنشائية وغيرها) للتعبير عن محننا وبالطريقة التي تصل وثائقيتها الى المجتمعات العالمية التي باتت أسيرة هذه التقنيات. وان كان الفوتوغراف بكل تقنياته يشكل كما من هذه التقنيات مع مستجدات البرمجية الرقمية, فانه بات من ضمن أدوات التشكيل الفاعلة. وهذا ما أحس به عادل عابدين وما حاول الاشتغال علية ضمن التقنيات الأخرى لإخراج مشاريعه الصورية التجميعية. منذ أن وطأت قدمه هلسنكي في بداية ألفيتنا بدأ مشروع إعادة صياغة مدينته(بغداد) ليس بالذكريات وهو القادم توا, بل بواقع مستقطع لا يغادر ذهنه. وكان ينتظر أن يكمل مشواره ألتحصيلي التقني التشكيلي لينفذ إلى قلب الحدث(بغداد) وخاصة بعد أن توفرت له فرصة زيارتها بعد الاحتلال. وكان رصيده الصوري مشروعا للكشف عن المستور أو المسكوت عنه في وسائل الأعلام العالمية. لم تكن مشهديته بانورامية حسبما يظن, إنما مشاهد مصغرة لكنها مثقلة بكثافة الحدث المفزع. لقد أدرك مفارقات العاب الأعلام( التسلية والصدمة, الحدث وما خلف الحدث وتجاوز المألوف) واشتغل ضمن هذه الشروط مكثفا من خلالها مشهديه الحدث. لقد استفاد من التقنية الغربية بقدر ابتعاده عن جاهزية أفكارهم أو تصوراتهم عن الحدث الأهم لمدينته ثم وظف تناقضات صورية الحدث البغدادي إعلانا عن (مشروعه السياحي(4) ذو الصبغة الدرامية بتناقضات هزلها ومأساتها, ولم يكن عمله اختيارا اسودا أو ابيضا بقدر جمعه للمتناقضين في ذروة تعبيرية معاصرة وتواصلية إعلامية. لقد أدرك عابدين الأبعاد المهمة للعبة التشكيلية المعاصرة وخاض غمارها متسلحا بوعي فائق للحراك الثقافي المعاصر وأهمية استغلال قنواته التواصلية وذلك بعد تفحص دقيق لمجمل خطوط النتاج التشكيلي المعاصر واثر التكنولوجيا الرقمية الفيلمية والصورية وملحقاتها من مواد الوسائط الأخرى في تنفيذ وتفعيل فكرة الحدث, ما دام يستقي أفكاره منه. كما وعى أهمية أن يكون ضمن ممارسة صياغة توقيت الحدث ليكسب عمله أهميته وسط العاب التشكيل وتوقيت الفكرة. وليس من الأنصاف إهدار أمكنتنا(وهي حدثا) زمنيا. فالمكان لا يحمل ثقله كاملا إلا في وقت أو زمن كثافة هذا الثقل. وان كان المكان كذلك فليس من الأنصاف تجاهله(كما يفعل معظم تشكيليينا). وهنا تكمن أهمية أعمال(مشاريع) هذا الفنان الشاب. والذي اثبت حقا انه ابن زمنه.
 
نماذج من أعمال الفنانين:
 
نديم كوفي : قبل وبعد: يبحث نديم في مصوراته ألثمان المزدوجة والتي عنونها ب(قبل وبعد) عن جذوة الحياة وفناءها سواء كانت عضوية( التفاحة, الوردة, النبتة) أو فلزية ومواد أخرى( الصخور, ظروف الرسائل وغير ذلك). كشفرات تكشف عن المخبوء تحت جذوة نسع الحياة والجيولوجيا أو الصنعة أو ما تخبئة الكلمات وما تؤل إليه مصائرها المستهلكة عبر شوط الحياة أو التراكم والأنطمار البيولوجي. لقد حرر الصورة الفوتوغرافية في هذا العمل من صفتها الوصفية التقليدية إلى معادل نصي وجودي طرح من خلاله سيرة حياة الكائنات, عينة تدلنا على نواحي الخلل الذي يهدد ثبات حال الكون والوجود. وان كان يؤكد على هكذا كشوفات ظاهرية في أعماله, فليس الأمر اعتباطا بقدر من وعيه لدرس الحياة التي خبر دروبها.
 
محمد عبد الله: محمد عبدا لله الآخر: لم أجد لعمله هذا أي تسمية وهو اقتراح أن اسميه هكذا( محمد عبدا لله الآخر). ومن منا لم يكن آخرا حين اضطراره لهجرة بلده مجبرا. وان كان اقصاءا ما مر بنا, فان اختيارنا لبلداننا الجديدة لم يكن اختياريا بأية حال. في هذا العمل الأدائي المؤثر, يبحث عبد الله عن جسده الذي تركه هناك, في بقعة ارض كانت تسمى بلده. لقد استبدل جلدة قدمه بما صنعه من نسختها الشمعية. وترك نسخا أخرى على حافات بداية طريقه الجديد. وان التبست لديه النسخة من الأصل. فهل يعني انه سوف يبقى نسخة أخرى ضمن توالد مستمر, أم ماذا. وهل عليه وحده يقع عبء الجواب, أم على من, في زمن ضيع معظم تساؤلاتنا الوجودية والمصيرية, وكيف الحال بالوجدانية منها. وهل تمر كل الأمور بهذه البساطة أو الدعارة أو السذاجة السياسة وان دفنت رمال حدود العراق الشرقية والغربية آلاف أناسنا تحت حجج انتماءات قومية تعسفية. فهل يبقى الزيف أو التزييف موضع تساؤل أو بالأحرى تصحيح, وان صححنا فماذا يبقى من كل نثار تلك الأيام العصيبة. وهل يبقى محمد عبد الله يبحث عن نسخ أخرى لجسده إن لم تكن لذهنه.
 
عادل عابدين: مرحبا بكم في بغداد(5): رحلات سياحية يعلنها عابدين إلى بغداد الحدث. أنها ليس عبثا كما يخطر بالبال. لكنها افتراضا قائمة, لكن السؤال يبقى لمن؟ وان حدثت هذه الرحلات. وهي حقا حدثت. فقد كانت رحلات ملطخة بالدم ومعفرة بالسموم المؤينة. وان كان الهدف واضحا لبعضنا. فقد أصبح لغزا للبعض الآخر. إن لم يكن كله لغزا. رغم أن كشوفات التواريخ الأقدم توضح الأهداف الغير معلنة. وما يهم عابدين هو الواقعة المعاصرة(يوميات بغداد) وهل هي مدينة مفتوحة كما تفتخر به غالبية عواصم العالم. أم ماذا؟ لقد أجاب عابدين عن كل ذلك في عمله التجميعي: إعلانات سياحية معروضة للمشاهد وصور فيدوية مدبلجة تعرض التناقض الصارخ مابين المعلن والمخبوء من الخراب الذي طال البشر والبنية البيئية لبغداد. لقد اشتغل على مشروع تفاصيل الرحلة السياحية, كما يشتغل أي محترف آخر للدعاية لمشروعه السياحي. بدأ من الحجز على الإنترنيت وصولا إلى أسعار التذاكر والمواصلات والتذكارات السياحية التي جمع فيها متناقضات عناصر الاحتلال وأنقاضه وآثار المفخخات. وان تكن الرحلة مشوقة فلكونها رحلة إلى الجحيم محمولا فوق بساط أمريكي اخضر. إن لم يكن هذا العمل سخرية سوداء! فما هو إذا؟ وان أصبحت السخرية مفصلا من مفاصل الثقافة التشكيلية المعاصرة. فقد وعى عابدين درسها المؤثر وتوقيت وقعها.
 
 
أخيرا يبقى سؤال النقد مطروحا على الساحة التشكيلية العربية, إن كانت لعبة ألأجيال هي المعيقة للوصول لاكتساب المهارات التكنيكية الرقمية والكرافيكية والفديوية وملاحقة مستجداتها من اجل إنتاج مشاريعنا التشكيلية التي سوف تكون بمصاف نظيراتها العالمية, ولا أقول هنا الغربية لعقدة تلبستنا من هذه التسمية. فالعالم وان تكرر القول لحد الملل بات قرية معلوماتية صغيرة. هذا لا يعني التفريط مطلقا بخصوصيات بيئية أو وجدانية, بل في المقدرة على تحريكها بموازاة نظيراتها المتعددة الأخرى. ولنا في درس الحداثة التشكيلية وبوسائطها التقليدية التي غزت كل بقاع المنطقة الجغرافية العربية, وباتت تشكل جزأ من ارثها التشكيلي المتحفي. وان كانت مفاصل التنمية والغذاء والتلوث والأمن معاقة بأشكال شتى, فليس من الصعوبة تناول هكذا مواضيع حيوية بالوسائط التشكيلية الجديدة.
 
 
البعد الرابع للصورة الرقمية. (Dhghtal Dimension) . . (Mail Art) -2 3- في بداية الأعداد للحرب العراقية الإيرانية في نهاية السبعينات اسقط النظام العراقي الجنسية عن مكون سكاني من سكان العراق وهم الكرد الفيليون. وتم مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وإبعادهم إلى إيران وإبادة شبابهم. والفنان محمد عبد الله هو واحد من أبناء هذا المكون العراقي. Performance art -4 5- رحلات إلى بغداد: مشروع عرض تركيب فني فدويي وصوري, عرضه الفنان في بينالي فينيسيا الثاني والخمسين في عام 2007.